ابن كثير

179

البداية والنهاية

رائحة المسك من ذلك الرجل ، فأنكروا رائحة المسك منه فسألوه فأخبرهم فقال : إن عندي رجلا من صفته كيت وكيت ، فعرفوه وقصدوه مع الطحان وتقدم الطحان فدخل عليه وهم بالقبض عليه فعرف يزدجرد ذلك فقال له : ويحك خذ خاتمي وسواري ومنطقتي ودعني أذهب من ههنا ، فقال لا ، أعطني أربعة دراهم وأنا أطلقك ، فزاده إحدى قرطيه من أذنه فلم يقبل حتى يعطيه أربعة دراهم أخرى ، فهم في ذلك إذ دهمهم الجند فلما أحاطوا به أرادوا قتله قال : ويحكم لا تقتلوني فإنا نجد في كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا مع ما هو قادم عليه ، فلا تقتلوني واذهبوا بي إلى الملك أو إلى العرب ، فإنهم يستحيون من قتل الملوك ، فأبوا عليه ذلك فسلبوه ما كان عليه من الحلي فجعلوه في جراب وخنقوه بوتر وألقوه في النهر فتعلق بعود فأخذه أسقف - واسمه إيليا - فحن عليه مما كان من أسلافه من الاحسان إلى النصارى الذين كانوا ببلادهم ، فوضعه في تابوت ودفنه في ناووس ، ثم حمل ما كان عليه من الحلي إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، ففقد قرط من حليه فبعث إلى دهقان تلك البلاد فأغرمه ذلك . وكان ملك يزدجرد عشرين سنة ، منها أربع سنين في دعة ، وباقي ذلك هاربا من بلد إلى بلد ، خوفا من الاسلام وأهله ، وهو آخر ملوك الفرس في الدنيا على الاطلاق ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " رواه البخاري . وثبت في الحديث الصحيح أنه لما جاء كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مزقه ، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يمزق كل ممزق ، فوقع الامر كذلك ، وفي هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة كان قد نقض أهلها ما كان لهم من الصلح ، فمن ذلك ما فتح عنوة ، ومن ذلك ما فتح صلحا ، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن وهي مرو على ألفي ألف مائتي ألف ، وقيل على ستة آلاف ألف ومائتي ألف . وفي هذه السنة حج بالناس عثمان بن عفان رضي الله عنه . ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وفيها غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ المضيق - مضيق القسطنطينية - ومعه زوجته عاتكة ، ويقال فاطمة ( 1 ) بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف . قاله أبو معشر والواقدي : وفيها استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على جيش وأمره أن يغزو الباب ، وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة نائب تلك الناحية بمساعدته ، فسار حتى بلغ بلنجر فحصروها ونصب عليها المجانيق والعرادات . ثم إن أهل بلنجر خرجوا إليهم وعاونهم الترك فاقتتلوا قتالا شديدا - وكانت الترك تهاب قتال المسلمين ، ويظنون أنهم لا يموتون - حتى اجترأوا عليهم بعد ذلك ، فلما كان هذا اليوم التقوا معهم فاقتتلوا ، فقتل يومئذ عبد الرحمن بن ربيعة - وكان يقال له ذو النون ( 2 ) - وانهزم

--> ( 1 ) في الإصابة : فاختة . ( 2 ) في الطبري : ذو النور .